أبي طالب المكي

60

علم القلوب

ويقال : إن هارون الرشيد دعا الأوزاعي إلى حضرته فأبى ، فجاء إليه وسأله عن شئ فأجابه ، فقال له : ما بالى ملئت منك غضبا وغيظا ، فإذا رأيتك ملئت فزعا ورعبا ؟ فقال الأوزاعي : سمعت أنسا يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من تعلم العلم للّه لم يخف من أحد ولا شئ ، وخاف منه كل شئ ، ومن تعلم العلم لغير اللّه ، خاف من كل شئ ، ولم يخف منه شئ » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من استغنى باللّه ، أحوج اللّه إليه الناس ، ومن استحضر خشية اللّه في قلبه ، أنطقه اللّه بالحكمة » . وقال الواسطي في معنى قوله تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [ محمد : 19 ] : هما دعوتان دعا إبراهيم ، عليه السلام ، إلى قوله : أسلم ، ودعا محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى قوله : فاعلم ، دعا أحدهما إلى العلم ، والآخر إلى الإسلام ، وأعلاها العلم ، وهو مرتبة الأجلة ، والإسلام هو الانقياد ، والانقياد إظهار العبودية ، والعلم إظهار الربوبية ، لا جرم ابتلى إبراهيم حين قال : أسلمت ، بالنار وذبح الولد وغيرهما . وقال بعضهم : لا تتم الحكمة في أحد حتى يكون مبرأ من ثلاث : الحسد ، والهوى ، والكذب ؛ لأن من حسد بغى ، ومن هوى غمر فيه ، ومن كذب لم ينتفع به وإن صدق . وقال سهل في معنى قوله تعالى : فَاعْلَمْ : خلق اللّه الخلق ، ثم أحياهم باسم الحياة ، ثم أماتهم بجهلهم ، فمن حيى بالعلم فهو حي ، وإلا فهم موتى بجهلهم ، لذلك دعا نبيه إلى محلة الحيلة بالعلم بقوله « 1 » : فَاعْلَمْ . وقال سهل : أجمع علماء بني إسرائيل في موضع ، فقالوا : إنا تعلمنا العلم ، ولم نزدد « 2 » منه هيبة ، ولا حكمة ، ولا ورعا ، فأنزل اللّه إلى نبي ذلك الزمان : قل لهم : إني أهب الهيبة بالأسحار وأنتم نائمون ، وأخرج الحكمة في بطن خال وأنتم تشبعون ، وأقسم التقوى والرع في صحبة الأتقياء وأنتم لها مفارقون . قال : ودخل بهلول على هارون الرشيد ، فقال : يا بهلول ، أفدنا من حكمتك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قد أفاد العليم الخبير قبلي إن كنت للفائدة أهلا ، حيث يقول : فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى [ البقرة : 197 ] ، فأما السفر ، فهو بين يديك كما

--> ( 1 ) في الأصل : لقوله . ( 2 ) في الأصل : يزدد .